من نضال الشغيلة إلى مدونة الشغل: مسيرة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل في قلب التحولات الاجتماعية والسياسية”
الكونفدرالية الديمقراطية للشغل لعبت دوراً محورياً في مسار الحوار الاجتماعي الذي أفضى إلى ميلاد مدونة الشغل المغربية (القانون 65.99 لسنة 2003)، وذلك عبر نضال طويل ومتعدد الأبعاد. يمكن تلخيص هذا الدور في ثلاثة مستويات مترابطة:
1. الضغط النقابي من أجل الإطار القانوني
منذ السبعينات والثمانينات، رفعت الكونفدرالية مطلب توحيد النصوص القانونية المشتتة التي كانت تحكم علاقات الشغل (ظهائر قديمة من فترة الحماية).
خاضت إضرابات وطنية ومسيرات احتجاجية مطالبة بمدونة تحمي الأجراء وتضمن الحريات النقابية والحد الأدنى للأجور.
جعلت من مدونة الشغل مطلباً مركزياً في الحوار الاجتماعي مع الحكومات المتعاقبة.
2. المشاركة في الحوار الاجتماعي
في مرحلة حكومة التناوب بقيادة عبد الرحمن اليوسفي (1998)، ساهمت الكونفدرالية في بلورة أرضية توافقية حول المدونة، باعتبارها جزءاً من مشروع “السلم الاجتماعي”.
دفعت نحو تضمين المدونة مقتضيات أساسية مثل: الحق في التنظيم النقابي، حماية المرأة العاملة، منع تشغيل الأطفال، وضمان التعويضات.
واجهت ضغط الباطرونا (الاتحاد العام لمقاولات المغرب) التي كانت تطالب بمرونة أكبر في التشغيل، وسعت إلى تحقيق توازن بين حماية الأجراء ومتطلبات الاستثمار.
3. الربط بالالتزامات الدولية
استندت الكونفدرالية في مرافعتها إلى اتفاقيات منظمة العمل الدولية التي صادق عليها المغرب، خاصة المتعلقة بالحرية النقابية وعدم التمييز.
وظفت السياق الدولي (اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، مفاوضات اتفاقية التبادل الحر مع الولايات المتحدة) لتأكيد أن تحديث الترسانة القانونية يجب أن يواكب المعايير الدولية، لا أن يقتصر على خدمة المقاولة.
يمكن القول إن مدونة الشغل المغربية لسنة 2003 هي ثمرة معركة نقابية طويلة قادتها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، حيث جمعت بين الضغط الميداني، المشاركة في الحوار الاجتماعي، واستثمار المرجعية الدولية. بهذا، ساهمت في إرساء إطار قانوني موحد لعلاقات الشغل، رغم استمرار النقاش حول بعض ثغراته (مثل الهشاشة في التشغيل المؤقت، أو ضعف آليات المراقبة).